الطبراني

328

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وقد روي عن بعضهم أنه كان يقول في هذه الآية : ( ليس البرّ أن تطلبوا المعروف من غير أهله ، ولكن اطلبوه من أهله ) . قوله عزّ وجلّ : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ؛ أي وقاتلوا في دين اللّه وطاعته الذين يقاتلونكم . قال الربيع وعبد الرحمن بن زيد : ( هذه أوّل آية نزلت في القتال ، وذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه خرجوا في العام الّذي أرادوا فيه العمرة فنزلوا بالحديبية قريبا من مكّة ) « 1 » . والحديبية اسم للبئر فسمّي ذلك الموضع باسم البئر ، فصدّه المشركون عن البيت ، فأقام بالحديبية شهرا ثمّ صالحه المشركون على أن يرجع عامه ذلك على أن يخلوا له مكّة من العام القابل ثلاثة أيّام ، فيطوف وينحر الهدي ويفعل ما يشاء ؛ وصالحوه على أن لا يكون بينه وبينهم قتال إلى عشر « 2 » سنين . فرجع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، فلمّا كان العام المقبل تجهّز لعمرة القضاء ؛ وكانوا يخافون أن لا تفي قريش بذلك ؛ وكانوا يكرهون قتالهم في الشّهر الحرام وفي الحرم ، فأنزل اللّه هذه الآية . ومعناها : وقاتلوا في طاعة اللّه الذين يبدأونكم بالقتال ؛ وَلا تَعْتَدُوا ؛ أي ولا تنقضوا العهد بالبداءة بقتالهم قبل تقديم الدعوة ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 ) ؛ أي المتجاوزين عن الحدود ؛ أي لا يرضى عنهم عملهم . فلما نزلت هذه الآية كان صلّى اللّه عليه وسلّم يقاتل من قاتله ويكفّ عمن كفّ عنه ، حتى نزل قوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ « 3 » فنسخت هذه الآية وأمر بالقتال مع المشركين كافّة « 4 » . وقال بعضهم : هذه الآية محكمة أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالقتال ولم ينسخ شيء من حكم هذه الآية ؛ فعلى هذا القول معنى قوله : ( وَلا تَعْتَدُوا ) أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السّلم وكفّ يده عن قتالكم ؛ فإن فعلتم

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 2530 و 2531 ) . ( 2 ) في المخطوط : عشرين سنة . والصحيح كما أثبتناه . ( 3 ) التوبة / 5 . ( 4 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 2547 ) من قول قتادة .